الشيخ محمد علي الأنصاري
179
الموسوعة الفقهية الميسرة
شيء يؤذي المسلمين من الكلام ، دون القذف بالزنا واللواط ، ففيه التعزير على ما يراه سلطان الإسلام ، أو المنصوب من قبل السلطان ، وقد روي : أنّ رجلا قال لآخر : إنّي احتلمت البارحة في منامي بأمّك ، فاستعدى عليه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، وطلب إقامة الحدّ عليه ، فقال له أمير المؤمنين : إن شئت ضربت لك ظلّه ، ولكنّي أحسن أدبه ، لئلّا يعود بعدها إلى أذى المسلمين ، ثمّ أوجعه ضربا على سبيل التعزير » « 1 » . وقال الشهيد الثاني : « لمّا كان أذى المسلم غير المستحقّ للاستخفاف محرّما ، فكلّ كلمة يقال له ويحصل له بها الأذى ولم تكن موضوعة للقذف بالزنا وما في حكمه لغة ولا عرفا ، يجب بها التعزير ؛ لفعل المحرّم ، كغيره من المحرّمات » ، ثمّ قال : « والمراد بكون المقول له مستحقّا للاستخفاف أن يكون فاسقا متظاهرا بفسقه ، فإنّه لا حرمة له حينئذ ؛ لما روي عن الصادق عليه السّلام : " إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة " « 2 » » « 3 » . وبهذه المضامين قال غيرهما . - وإن كان الإيذاء من قبيل الضرب ونحوه فإنّه يترتّب عليه القصاص أو الدية لو اقتضاهما ، أمّا التعزير إضافة إلى ذلك فلم يخطر ببالي فعلا التصريح به من أحد . وكذا الإيذاء بمثل وضع القمامة على باب الدار ونحو ذلك . نعم ، لا يبعد ثبوت التعزير للأخير ؛ لقوله عليه السّلام : « ولكنّي أحسن أدبه لئلّا يعود بعدها إلى أذى المسلمين . . . » « 1 » ، فإنّ العلّة للتأديب إنّما الإيذاء ، فأينما وجد ساغ التأديب . مضافا إلى القاعدة المعروفة : « من فعل شيئا من المحرّمات عزّر » « 2 » ، ولا شكّ في حرمة الإيذاء الفعلي كالقولي . استثناءات حرمة الإيذاء : يستثنى من حرمة الإيذاء بعض الموارد ، وقد ينقلب الحكم من الحرمة إلى الوجوب ، كما في العقوبات الشرعيّة ، فإنّها إيذاءات واجبة ، سواء كانت حدّا أو تعزيرا أو قصاصا ، وكما في موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا توقّف رفع اليد عن المنكر على إيذاء صاحبه ، ومنه إيذاء أهل
--> ( 1 ) السرائر 3 : 530 ، وجاء في تتمّة كلامه : « ولم يرد أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله : " إن شئت ضربت لك ظلّه " إنّ ضرب الظلّ واجب ، أو شيء ينتفع به ، وإنّما أراد : أنّ الحلم لا يجب به حدّ ، وحلم النائم في البطلان كضرب الظلّ الذي لا يصل ألمه إلى الإنسان » . ( 2 ) الوسائل 12 : 289 ، الباب 154 من أبواب أحكام العشرة ، الحديث 4 . ( 3 ) المسالك 14 : 433 - 434 . 1 تقدّم عن السرائر آنفا ، وانظر الوسائل 28 : 210 ، الباب 24 من أبواب حدّ القذف ، الحديث 1 و 2 . 2 انظر : القواعد 3 : 548 و 553 ، والمسالك 14 : 433 و 472 ، و 15 : 21 ، والجواهر 41 : 448 .